محمد ابو زهره
956
خاتم النبيين ( ص )
وخلف علي بن أبي طالب في أهله ، ويظهر أن هذه تشبه ما خلفه به على الودائع يوم الهجرة ، لأن الشقة كانت بعيدة ، فاختار رجلا من أهله ليقوم على أهله وأهله ، وما كان لعلى أن يكون له بعد أمر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم الخيرة من أمره ، بل عليه الطاعة المجردة ، ولكن المنافقين الذين من شأنهم أن يثيروا الريب ، والإفساد ويسعوا بالنميمة بالأحبة - أشاعوا قالة غير صحيحة أصلا ، قالوا : ما خلف رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم علي بن أبي طالب إلا استثقالا له وتخففا منه . فلما أكثروا من القول في ذلك ، أخذ على رضى اللّه تعالى عنه سلاحه ، ثم خرج حتى لحق رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو نازل بالجرف فأخبره بما قالوا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « كذبوا ، ولكني خلفتك لما ورائي فارجع في أهلي وأهلك ، أفلا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى » روى هذا الحديث البخاري ومسلم وأبو داود الطيالسي . وروى الإمام أحمد رضى اللّه تعالى عنه أن عليا المجاهد ، استكثر على نفسه أن يكون ميدان الجهاد متسعا ، وفي غزوة كثر فيها التخلف ، أن يبقى ولا يحمل سيفه البتار ، فقال للرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم « يا رسول اللّه لا تخلفني في النساء والصبيان ! فقال : يا علي أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى » . وإن هذا كان المنتظر من على هذا ، فإن المؤمنين المتقين كانوا يتسابقون في الخروج لأنهم لا يرضون لأنفسهم أن يبقوا في راحة بين أهليهم والرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم يسير في الصحراء حيث الحر اللافح . قعد أبو خيثمة وله امرأتان عربيتان قد رشتا حول عريشهما الماء لتكونا مع زوجهما في جو رطيب ، فلما رأى ذلك قال : « يكون رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في الضح والريح والحر . وأبو خيثمة في ظل بارد ، ومكان مهيأ وامرأة حسناء في حاله مقيم ، ما هذا بالنصف ، واللّه لا أدخل عريش واحدة منكما ، حتى ألحق برسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فهيئالى زادا » ، وأخلف عنه بعض الصحابة في أهله ، وارتحل ناضحا له ، وأسرع حتى وصل إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم . كان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم معتمدا على اللّه تعالى ، والناس معه ، وبعضهم يقول تخلف فلان ، فيقول عليه الصلاة والسلام : دعوه ، فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد أراحنا اللّه منه ، حتى قيل تخلف أبو ذر ، وتلوم به بعيره . ولما أبطأ بعير أبي ذر ، وهو يريد أن يلحق رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، نزل وترك البعير ، وتخفف ماشيا إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، حتى قارب ركب النبي صلى اللّه تعالى عليه